ملا حبيب الله الشريف الكاشاني

142

تفسير ست سور

ولمّا كان القلب هو الجوهر النورانيّ المجرّد الّذي به يتحقّق إنسانيّة الإنسان ، وكان بمنزلة عرش الرحمن ؛ بل عرشه حقيقة ومنظره ومحلّ رحمته ومعرفته ؛ كما قال : لا يسعني أرضي ولا سمائي ؛ بل يسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » . أنزل سكينته فيه وجعله بمنزلة تابوت السكينة الّذي أنزله لبني إسرائيل ، فكما أنّ سكينتهم كانت في التابوت ، كان سكينة هذه الأمّة في القلوب المصفّاة بحبّ المحبوب الّذي لا ينام ولا يموت . وكما أنّ أولاد يعقوب عليه السلام كانوا أقوياء أعزّاء لا يغلبهم الأعداء ما دام هذا التابوت فيهم ، فلمّا ذهب به العمالقة الجبّارون صاروا ضعفاء أذلّاء قتل كثيرا منهم جالوت وأسرهم وأخرجهم من بلادهم ، فكذلك أولاد يعقوب عليه السلام . الروح الانساني وهي القوى الروحانية قويّة غالبة ما دام تابوت سكينة القلب فيهم ، فإذا ذهب به منهم جنود جالوت النفس الأمّارة فهي في غاية الذلّ والمهانة ، إلّا أن يوفّقهم للتوبة والإنابة ، فيرجع إليهم السكينة في تابوت قلوبهم بمعونة طالوت العقل والنفس المطمئنّة ، فيقتل داود العلم جالوت الجهل والنفس الأمّارة ، وكما أنّ تابوت بني إسرائيل كان تحمله الملائكة ، كان قلوب المؤمنين حملتها يد اللّه ؛ حيث قال : وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 2 » وقال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ .

--> ( 1 ) جاء هذا الحديث في البحار 58 : 39 هكذا : لم يسعني سمائي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن . ( 2 ) الإسراء : 70 .